ولد صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين الثانى عشر من ربيع الأول عام الفيل الموافق 570 أو 571 من ميلاد المسيح
حين بدأ الصبح يتنفس ، فى أكثر فصول السنة اعتدالاً وجمالاً فقد حباه الله بالجمال والجلال فولد من أسرة زكية المعدن نبيلة النسب جمعت خلاصة ما فى العرب من فضائل وترفعت عما يشينهم
قال صلى الله عليه وسلم " إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفانى من بنى هاشم "
- أخرجه مسلم وصححه الترمذى
فكان أصلح رجل فى أصلح بيت فى أصلح زمن لأصلح رسالة * كلمة للعقاد
أمه آمنه بنت وهب من أشراف أهلها ، والقابلة هى الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف ، وحاضنته أم أيمن واسمها بركة ومرضعتاه ثويبة وحليمة السعديه
وكأنما أراد الله أن يحيطه بأسماء محبوبة طيبة تشير إلى الأمن والشفاء والبركة والنماء والثواب والحلم والسعد وكان ذلك كله بميلاد الحبيب صلى الله عليه وسلم
وحينما كان نوره صلى الله عليه وسلم يُخلق فى رحم أمه توفى الله أباه عبد الله بن عبد المطلب
فولد عليه الصلاة والسلام يتيماً وكان لهذا اليتم من انعكاسات وتأثيرات نفسية فى حياته صلى الله عليه وسلم
فقد حُرم من الظهير والنصير الأول وهو الأب والذى دفعه إلى التفكير فى الظهير الذى هو فوق كل ظهير والنصير الذى هو فوق كل نصير وهو الله سبحانه وتعالى ، وأصبح معتمداً على ربه ثم نفسه صلى الله عليه وسلم من صغره ، وكون حبيب الله يتيماً فيه من التكريم والتسلية ليتامى المسلمين وبيان أنهم أفق من أفق المجتمع وخلية من خلاياه ويظهر ذلك فى أحاديثه صلى الله عليه وسلم ووصاياه ومدى عناية الإسلام بهم
ولد الهُدى صلى الله عليه وسلم وتحكى أمه آمنه عنه ...
روى محمد بن سعد من حديث جماعة منهم عطاء بن أبى رباح وابن عباس أن آمنة بنت وهب قالت " لما فصل منى - تعنى النبى صلى الله عليه وسلم - خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب ، ثم وقع على الأرض جاثياً على ركبتيه معتمداً على يديه ، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء "
فالنور هو نور النبوة ، والجثى على ركبتيه إشارة إلى شدة تواضعه لربه وللخلق ، والإعتماد على يديه إشارة إلى أنه لن ينشأ كسلاناً كما هو حال أبناء الأشراف وإنما سيعتمد على ربه ثم نفسه من صغره ، ورفع رأسه إلى السماء إشارة إلى توكله على الله وارتفاع شأنه وسمو غايته وأنه يسود الخلق أجمعين ، وأخذه التراب إشارة أن الأرض منها البدء وإليها الإعادة ومنها الإخراج للبعث
وقد قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه : " من كرامتى على ربى أنى ولدت مختوناً ولم يرى أحد سوأتى "
- رواه الطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم وابن عساكر وصححه الحافظ ضياء الدين المقدسى
ولما بُشر به جده عبد المطلب فرح فرحاً بالغاً وسماه محمداً ليكون محموداً فى السماء والأرض ونحر الذبائح وأقام الولائم شكراً لله ، وأعتق أبى لهب عم النبى صلى الله عليه وسلم جاريته ثويبة حينما جاءته بالبشرى
أرضعته أمه لعدة أيام ، ثم أقبلت به تلتمس المراضع فقد كانت عادة العرب الموسرين من أهل الحواضر أن يرسلوا بأولادهم فور ولادتهم إلى البادية يرتضعون ويشبون لكى تقوى أجسادهم وتشتد أعصابهم ويذلق لسانهم وتصفو أذهانهم بفضل الطبيعة والهواء النقى والهدوء بعيداً عن الزحام والأمراض والأوبئة
وقد قال الصديق فى ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم ما رأيت من هو أفصح منك يا رسول الله ؟ فقال : " وما يمنعنى وأنا من قريش وأرضعت فى بنى سعد "
وكانت " حليمة بنت أبى ذؤيب " من قبيلة بنى سعد إحدى القادمات إلى مكة ابتغاء العودة برضيع ولم يكن لمحمد صلى الله عليه وسلم أب تـُرقب عطاياه فلا عجب إن زهدت فيه المراضع إلا أنها استحيت العودة صفر اليدين فرجعت إلى آمنة تأخذ منها الطفل اليتيم ، وكانت البركة فى مقدمه معها وامتن الله عليها بالخير
مكث النبى صلى الله عليه وسلم خمس سنوات فى بنى سعد صح فيهم بدنه وكان يشب شباياً لا يشبه الغلمان ، وكان يزور خلالهم أمه ويعود مع حليمة رغبة منها وخشية عليه من وباء مكة ثم حصل أمراً عجيباً جعل حليمة السعدية تعيده إلى أمه بعد أن خافت عليه ...
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فصرعه فشق عن قلبه فاستخرجه فاستخرج منه علقة ، فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه ، ثم أعاده إلى مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعنى مرضعته - أن محمداً قد قتل ، فاستقبلوه وهو منتقع اللون "
وزاد أنس : " وكنت أرى أثر المخيط فى صدره "
- حديث صحيح أخرجه مسلم
وقد ورد فى شق صدره الشريف من القرآن : " ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذى أنقض ظهرك * "
وشرح الصدر كما فى الآية إشارة إلى جراحة يجريها طبيب أو مَلـَك
وقد تكرر هذا الأمر فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قيل مرتان فى طفولته وعند رحلة الإسراء والمعراج ، وقيل ثلاثة وزيدت مرة عند البعثة
ولعل الحكمة من ذلك يشير إلى الحصانة التى أضفاها الله على نبيه منذ طفولته بنجاته من مزالق الطبق الإنسانى ومفاتن الحياة الأرضية
* المصادر :
* لمحات من حياة الرسول // الدكتور محروس رضوان
أستاذ ورئيس قسم الحديث بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالإسكندريه
* فقه السيرة // محمد الغزالى
* الرحيق المختوم // المباركفورى